ما وراء الصمت:
فك شفرة العالم الداخلي لعفاف زريق
لا بد من إيجاد وسيلة لإستدراج الفنانة الكبيرة المُتعددة الوسيط، عفاف زريق إلى الحديث، بعيداً عن رقعة الصمت الصعبة المنال التي تقطن فيها.
تختبئ بين طيّاتها خلف ابتسامتها المُهذبة.
بإمكاننا الإنطلاق من هذا الصمت الأنيق – والمُقلق في بعض لحظات – الذي ينساب من صفاء وجهها إلى لوحاتها الساكنة التي تغور في السهل المُمتنع.
قد نغمز إليه بطريقة أو بأخرى، لعل المسافة بين هذه القامة الفنيّة الشاهقة والعالم الخارجي يتقلّص، فنقترب عندئذ بضع خطوات من عالمها الداخلي.
عالم يُقال أنه ثري وأشبه بحقول شاسعة ركيزتها المحبة.
وسنكتشف خلال اللقاءات المُتكررة معها، أن المحبة جسر عبور الدكتورة عفاف زريق إلى واقع لا تنتمي بالضرورة إليه.
أم أننا نتحدث حقاً عن اللطف؟
"هل يفهم هذا العالم حقاً كل ثراء المشاعر وانفجاراتها الكامنة وراء الابتسامة المهذبة، والصمت المؤلم في لوحاتها، والكلمات الحذرة المستخدمة لتصوير أعظم أنواع الحب في قصائدها؟"
ربما كان من الأفضل أن تكون رأس بيروت محور اللقاء الأول.
وتحديداً في غاليري “أجيال”، لراعي الفنون والشاهد على إنقلاباتها، صالح بركات. ففي هذه الفسحة الأنيقة، تعرض لوحات لا يفهمها كُثر.
والبعض يسأل: أين الأشكال؟
وبما أنها “سيرة وإنفتحت”، أين هي الألوان؟
لم هذا الإصرار على الغوص في المينيماليّة والتحفّظ؟
أليس من المفترض أن تكون الكانفا أرجوحة الجنون؟
وفرشاة الرسم مائدة الإنتقام من كل ما يُجسّده الواقع من خيبات محتومة باهتة بما فيه الكفاية؟
“خيبة رايحة، خيبة جايي”.
نشأت زريق في رأس بيروت، الشاهدة الأولى على أسرار الصمت المُطبق وثورات الصبا الجريحة. غادرتها مراراً لتستقر فيها مُجدداً في شارع الست نسب العريق الذي يتميّز بالرُقي…وهذه العودة الفوريّة إلى تاريخ رحل مُستأذناً.
تقول بصوت خافت لا يبتعد كثيراً عن عالم الصمت المديد الذي يتأرجح إستقبالها لنا فيه بين حذر مهذب ومحبة لا ريب فيها:
“بتعرفي (أتعلمين)، رأس بيروت تختلف ولا تختلف في الوقت عينه. تحافظ على شخصيتها (بتضلّلها نفسها) وأيضاً تُصبح – غير دني، غير بلد – كل شيء فيها يتبدّل. والله لا أعرف الفترة الزمنيّة التي تحتاجها (هذه المنطقة) لتتغيّر بين حقبة زمنيّة وأخرى. ربما تتغيّر عندما أتغيّر أنا. رأس بيروت مكان نابض بالحياة”.
صغيرة، كانت مسألة طبيعيّة أن تلعب وسط الطريق، “بالرملات – كنت في المدرسة الأهلية. وأذكر أننا، أحياناً، كنا نذهب سيراً على الأقدام من المنزل إلى المدرسة. من شارع المقدسي وصولاً إلى وادي أبو جميل. ربما كنت في الخامسة أو السادسة من عمري. كنت أشتري حلوى غزل البنات. كانت بيئتنا جميلة جداً. ولكن كل شيء تغيّر مذذاك. بيروت تقدمت في السن تماماً مثلنا. كبرنا جميعاً وقد تكون عقدنا النفسيّة قد أعاقتنا”.
وهي في العاشرة، “أرسلني أهلي إلى مدرسة سامي صليبي للفنون الجميلة القائمة في ذلك الوقت مقابل كركون حبيش. (ولكنها اليوم لم تعد موجودة). أقفلت أبوابها منذ فترة طويلة. حضرت العديد من الدورات. كنت أرسم طوال الوقت. لا أعتقد أنني كنت أمتلك أسلوبي الخاص في تلك الحقبة. ولكنني أحببتُ الفحم. أحببتُ إضفاء اللمسات الدقيقة الخاصة بالفحم. كنت أفرك المادة بيديّ. تتسخ يدي، وتزداد إتساخاً. وأستمر في الفرك لأستخرج الضوء. كنت أرى النور وأرى الظلام”.
لاحقاً، عندما “كبرت، إنتقلتُ إلى الألوان الزيتيّة. توسلّت بها، وإتضحت أمامي الألوان، وصرتُ أكثر يقيناً بالفروق الدقيقة. سحرتني الألوان وفهم أهلي أنني أملك موهبة فقررا تنميتها وطلبا من الفنانة هيلين الخال أن تعطيني دروساً خاصة”.
كان من المتوقّع أن تتخصّص في الهندسة، وشجعّتها شقيقتها على إختيار هذا العالم لقدرته على الجمع ما بين المواد العلميّة والأخرى الفنيّة التي تُتقنها عفاف جيداً.
وفي حين تم قبولها في هذا التخصّص، شعرت زريق أنها، في الواقع، لا تنتمي إلى هذا العالم. تؤكد أنها كانت شديدة العاطفة، و”هذا العالم (أي الهندسة)، يحتاج إلى بنية وإلى هيكل، في وقت لا أستطيع فيه أن أحيا ضمن هذه البنية القاسية والمُحددة”.
إلى الفنون الجميلة، توجّهت، إذاً، عفاف زريق، وعاشت أجمل الأوقات في الجامعة الأميركيّة التي إنتسبت إليها في العام 1967، وتمكّنت من أن تنسج أجمل الذكريات في هذا القسم الذي كانت هيلين الخال تُدرّس فيه. (هيلين الخال تُعتبر إحدى رائدات الفن اللبناني والنقد الفني). “إنتسبتُ إلى الجامعة بعد حرب ال67. في ذلك الوقت كانت هناك ثورات طلابيّة في كولومبيا وباريس، بالإضافة إلى حرب فييتنام. كان لدينا الهيبيّون ورولينج ستونز وفرقة البيتلز. كان ذلك رائعاً. (يعني خبصة بخبصة)”.
“كان هناك طلاب واعون سياسياً، بل ومنخرطون سياسياً بشكل كبير. كان لدى بعض الطلاب ميل لتجربة بعض المخدرات الترفيهيّة – وبدأوا يتخيّلون وينغمسون في أفكار مثيرة. كان في الجامعة الأميركيّة في بيروت جميع أنواع الطلاب. من باكستان وأفغانستان والولايات المتحدة وفرنسا. من كل مكان يخطر ببالك. كان مكاناً رائعاً للتواجد فيه”.
"هناك دائمًا خط رفيع بين النور والظلام. الأمر كله عبارة عن لعبة من الفروق الدقيقة. ستُرشدك التفاصيل الدقيقة إلى الطريق، إذا كنت شجاعًا بما يكفي لتُقاد إلى هذا العالم الصامت."— صالح بركات
تقودها الذكريات إلى رأس بيروت، حيث شارع بليس التاريخي، “وفيه بعض المطاعم، أذكر منها: فيصل و Uncle Sam. أضف إليهما مكتبة Librairie Du Liban ومكتبة خيّاط الذائعة الصيت. لا أنسى المكتبة الوطنية التابعة لعائلة جحا. إمتلأت المنطقة بالمكتبات. إمتدت الحركة الثقافيّة في كل الزوايا. (كان في حركة ثقافيّة فظيعة). إلى الندوات والمعارض الفنيّة”.
أمّا قصّتها الشخصيّة، فتبتسم إبتسامة صامتة قبل أن تهمس، “هذا يحتاج إلى فنجان قهوة”.
“عندما تخرّجت من الأميركيّة، شعرت أنني في الحقيقة لم أتعلّم أي شيء بعد. العالم شاسع ومُرعب، والشهادة الأولى لا تُدرّبنا بما فيه الكفاية لفهم العالم – شعرت أنني ربما لن أستطيع أن أكون في المستوى الذي أطمح إليه كفنانة. أُصبتُ بما يُشبه الزعزعة في الثقة بالنفس. فإذا بي آخذ صف في تاريخ الفن في الأميركية بعد التخرّج، وكنت من المُتفوقين في هذه المادة”.
ظننت انني ربما أكون أكثر ملاءمة كأكاديمية، لكنني كنت في حيرة شديدة. كنت في العشرين من عمري عندما قُبلت في جامعة هارفارد حيث درستُ الفن الإسلامي. وأدركتُ فوراً أنني لست أكاديميّة. أنا مُتقلّبة المزاج وعاطفيّة جداً”.
ومن سن ال22 حتى ال27، راحت عفاف زريق تختبر مختلف الحقول إعتقاداً منها أنها قد تهرب من قدرها. “لم أكن أريد أن أصبح فنانة. كنت أهرب باستمرار. لا أعرف السبب حتى اليوم. لم أهرب. كنت خائفة لأنني كنتُ على يقين من أنها مُخاطرة. شغلت منصب مديرة في المدرسة الأهلية. وإنتقلت بعدها إلى الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة (التي كانت تُعرف آنذاك بال BUC).
إختلفت مسؤولياتها في الجامعة وتنقلت في أقسام عديدة.
“كنتُ أطمح لأن أصبح عضوة في هيئة التدريس وأكاديميّة وإداريّة. ثم إندلعت الحرب. تأثرتُ بها بشدة. لم أجد سبيلاً لأفهم ما كان يحدث لي شخصياً إلا من خلال الرسم. رأيتُ حياتي تنهار أمامي. كنتُ أغلق على نفسي باب غرفتي كل عصر وأبدأ الرسم بالألوان المائيّة. ومنذ ذلك الحين أمسكتُ بالفرشاة ولم أتركها أبداً. كان ذلك في العام 1976، أو 1977 أو 1978. وإتخذتُ عندئذٍ قراري”.
الكلمة المُتجسّدة بالشعر الزاخر بالعاطفة من دون أن يخسر سياجه المينيماليّ، وصلتها في مرحلة مُتقدمة.
وتعزو ذلك إلى عدم الثقة بالنفس في ما يتعلّق بقدراتها وموهبتها الشاهقة.
قدرتها على التعبير من خلال فرشاة الرسم.
قدرتها على البوح من خلال الكلمات.
فكيف ستتمكّن من إعادة صوغ تلك البراكين الداخليّة التي كانت تخرج إلى العالم الخارجي صامتة، مهذبة، غير إنفعاليّة، مُنضبطة في إيقاعها؟!
عائلتها المؤلّفة من مُبدعين في مختلف الحقول جعلتها تُشكّمم في قيمة قدراتها ومواهبها المُتعددة. تتحدى نفسها باستمرار. تطرح العديد من الأسئلة. تتردد.
ولكن لحظتها وصلت.
وكانت نابعة من الداخل.
“كنت أرسم سلسلة من اللوحات تحمل إسم My Lebanon عندما كنت في واشنطن، وشعرتُ في لحظة ما أن عليّ أن أكتب أي شيء. شيء ما. لأعبّر عن إختياري للبنان. إعتبرتُ أنني لو لم أفعل ذلك، لما فهم الآخر لم إخترت التعبير عن أحاسيسي تجاه البلد”.
الكتابة عن لبنان كانت شخصيّة وحميميّة، وفي الوقت عينه تقفز خارج نطاق الشخصي.
ومنذ تلك التجربة، أجبرت نفسها على إختيار الكلمات أو الأغاني الإعلانية (Jingles) ليكون للتعبير أكثر من أرجوحة تحمله بعيداً عن الواقع.
إختارت الإنضباط في تعاملها مع الكتابة لكي تتناغم ضربة فرشاة الرسم مع ترنّح الكلمات.
وأخيراً إنطلقت في الكتابة المُستقلّة التي لا تحتاج إلى الرسم لتولد. وصار للكلمة عالمها الخاص.
صار للكلمة قصتها التي لا تقلّ صمتاً عن ضربة فرشاة الرسم.
عالم صامت، مُتحفظ، يسحب القارئ إلى بئر العاطفة الكبيرة التي تخفيها عفاف زريق خلف إبتسامة لطيفة. مهذبة.
لا تشاهد الأخبار.
لا تملك جهاز تلفزيون.
كل الأخبار والإعترافات والأحلام تصلها من الداخل.
عالمها الداخلي.
في بعض المعارض كمّلت الكلمة العمل الفني.
لا تستسيغ بالإلحاح.
عالمها الصامت يدعو إلى المحبة وإن كان على الزائر أن ينظر مطولاً إلى لوحاتها الهادئة حتى الدموع ليفهم لحظات الإنكسار العابرة والمحبة الكبيرة التي تكنّها لهذا الكون.
وأن يغرز أصابع جوعه في كلماتها لتنجلي أمامه تلك العاطفة التي تصرخ بصمت:
حنان، أيها الأصدقاء.
في العام 1983، إختارت الولايات المتحدة لترتاح بعد قسوة العام 1982 وما حلّ في لبنان من عنف وإندثار بلا رحمة لدماء تصرخ:
حنان، أيها الأصدقاء.
كان من المفترض أن تمكث بضعة أشهر فإذا بها تعيش الغربة لما يقارب ال30 عاماً. وهناك إكتشفت نفسها بطريقة أعم. ولم تُفارقها المينيماليّة.
لأسلوبها المينيمالي وجهان.
هناك، بحسب شرحها، المينيماليّة التي تتجسّد في المساحات البيضاء وتمثّل خلاصة حياة حافلة.
وهناك أيضاً خلاصة فهم النور المُنبعث من الظلام والفضاء.
“إذا تأملت في أعمالي، ستجدين خطاً دقيقاً يربط ما بينهما. فأنا دائماً أركز على الفروق الدقيقة والتفاصيل، والإحساس الذي ينبثق من اللمس”.
حتى في أشد اللحظات قسوة وفي تلك اللحظات القاتمة، يجد زائر عالمها الصامت الصفاء والتلميحات المتجسّدة بالفروق الدقيقة.
ما زالت تُشكّك في نفسها، حتى بعد أن إنحنى لها العالم الخارجي إنحناءة إحترام. ولكنها تؤكد بأن الإبداع لا يُصبح أكثر سهولة مع مرور الوقت.
الأصدقاء يضحكون عندما تهتف (بصمت وسكون):”خلص! سأتوقف هنا. لن أنجز أي شيء بعد اليوم. سأكتفي بالجلوس. اليوم، يكتفون بإيماءة ساخرة ومحببة من الرأس”.
شيء ما يؤكد لهم بأن القصة مستمرة.
والدها، المؤرّخ والمفكر الكبير قسطنطين زريق، توفي في العام 2000.
شقيقتها توفيت في العام 2001.
ووالدتها توفيت في العام 2008.
خسارة فأخرى. ولم يكن لديها الوقت لتُعالج أحاسيسها. أو لتفهم هذه النهايات المُتتالية.
ولكنها فهمت أنها قد أصبحت وحيدة في مواجهة العالم.
رحيل والدتها ووقوفها وجهاً لوجه مع كونها أصبحت وحيدة في استجواب العالم، خلق في داخلها حاجة ملحّة للتحدث مع والدها العظيم.
شعرت عندئذٍ أن الوقت قد حان لتتحدث عنه. ومعه.
من خلال الفخار. الموسيقى كديكور خلفي. والصمت والعاطفة في الواجهة.
إستمر الحديث مع والدها من خلال المنحوتات ما يُقارب ال7 أشهر. كانت تفكر في العائلة، تنظر إلى الصور، ترسم والدها. ترسم والدتها. يوم زفافهما. صورها وهي صغيرة. كل هذه الذكريات التي صنعت حياة. لم تحللها.
سمحت لأصابعها بتولّي مهمّة التأليف.
وشعرت، بعد سنوات الغياب الطويلة، بأنها تحدثت فعلاً مع والدها.
“تواصلنا. وهذا يكفي”.